أحمد بن سهل البلخي

448

مصالح الأبدان والأنفس

إليهما حاجة ضروريّة ، وما سواهما من فنون اللذّات وأنواع الشهوات فتابع لهما ، ومرجعه إليهما ، إلّا أنّهما مع الحاجة الضروريّة إليهما يجب أن يكون الأخذ منهما باقتصاد ، وبقدر الحاجة ومبلغ الكفاية ، وإذا وقع كلّ منهما مسروفا « 1 » فيه مفرطا ، عاد بالضرر المؤدّي إلى الهلاك والعطب ! فمتى تناول الإنسان من الغذاء أكثر ممّا يحتاج إليه ، وحمّل القوّة « 2 » الهاضمة ما لا تحتمله ، بشم واتّخم « 3 » ، وربّما مرض عن ذلك وسقم . وكذلك إذا أسرف في الباه ، أو تعاطاه في غير وقته بأكثر من القدر الذي تقتضيه الطبيعة وتحتاج إليه ، أسرع في هدم بدنه ، وإفناء الحرارة الغريزيّة ، وكان جناية / ذلك عليه « 4 » مثل جناية الخطأ الذي يقع في باب الغذاء من المطاعم والمشارب ، بل هو أجلّ وأعظم . ولما علم الحكماء والأطبّاء من غلبة شهوة الباه على الإنسان ، وتمكّنها من طبيعته ، واستيلائها على غريزته ، وقلّة صبره عنها ، وضعف سلطان نفسه عن ترك الانهماك فيه « 5 » - إذا وجد من قوّته مساعدة عليه - أكثروا في كتبهم بالإيصاء من الإقلال من الباه ، وبالغوا في تحذير الإنسان عواقب الخطأ الواقع فيه ، وعظيم جنايته ، بدفعه إيّاه إمّا إلى أمراض النّهكة « 6 » وفناء الحرارة الغريزيّة إذا كان الغالب على متعاطيه من يضرّ به مزاج الحرارة واليبوسة ، وإمّا إلى أمراض الاسترخاء وكلال الحواسّ والرعشة وغلبة الرياح الغليظة ونقصان الحرارة الطبيعيّة إذا كان المتعاطي له الغالب على مزاجه البرودة والرطوبة ، حتى أحوج

--> ( 1 ) السّرف : محركة : ضد القصد ( القاموس المحيط س ر ف 2 / 1091 ) . ( 2 ) في ب : حمّل منه القوّة . ( 3 ) اتّخم فلان من الطعام : ثقل عليه ، ولم يستمرئه ( المعجم الوسيط وخ م 2 / 1019 ) . ( 4 ) في ب : علّة . ( 5 ) أي : في الباه . ( 6 ) نهكته الحمى : أضنته وهزلته وجهدته ، كنهكته ، كفرح ، نهكا ونهكا ونهكة ونهاكة . ( القاموس المحيط ن ه ك 2 / 1265 ) .